حديث الفناجين ..

محمد الرياني

نزلنا وقت المطر، وطئنا  التراب وقد ارتدى القطرات القادمة من السماء ، طلبتُ منها أن تعطيني الفناجين لألعب بالوحل، قذفتني بفنجان تريد أن تمازحني وجبيني يقطر بالمطر ثم دعتني للقهوة التي شربتْ من فيض السماء، لم أرفع رأسي نحوها وقد انحنيتُ أملأ الفنجان بالوحل، ضحكتْ وقالت :كأنك قد عدتَ طفلًا، أتريد أن تأكل الطين مكان القهوة؟ ألا تريد أن تستدفئ شفتاك من برد الأصيل؟ حركتُ إصبعي لها بأن تأتي لتشاركني اللهو ونملأ بقية الفناجين، لم تصدق نفسها أنها ستعود طفلة تحرك خصلات شعرها النسمات الباردة وتملأ المكان ببنات الفناجين أشكالًا كما كانت في الصغر، أفرغتْ كل الفناجين وأقبلتْ تتهادى كعصفور رفيف نحو الوحل، ملأتْ أول فنجان فتتازعنا عليه نريد أن نصنع لهو الطفولة، قالت هذا فنجاني، أفرغتْه فانتثر كبنيان سقط قبل أوانه، قلتُ لها: لم تعد يدك تفعل كما كانت صغيرة، ملأتُ الفنجان وضربتُ بفمه على الأرض لأصنع كومة، صاحت ماأروعك! علّمتها فنَّ اللعب ولايزال المطر يهطل على رأسينا وعلى الفناجين، زرعنا المكان بنيانًا من الوحل، شبعنا من اللعب وأخذت تشمُّ من فم الفنجان رائحة الطفولة والمطر وبقايا من شذى يدي، قلتُ لها الآن، صبِّي قهوتك، قالت :قد بردتْ من فعلك ومن زخات المطر، جلسنا نحتسي قهوة المساء وبصرنا يحصي مازرعته الفناجين على الأرض، نظرتْ في وجهي فبادلتها النظرات ونحن نستعرض العمر الذي مضى، جاءت صغيرتنا تبحث عن اثنين يمارسان اللهو، جلستُ معها فوق البطحاء وبدأتُ أعلمها لعبة الفناجين، ضحكت وقالت أنت تلعب مثل الصغار وبدأتْ تحفر لتبني من الوحل أكواخًا ، أردتُ أن أستريح بعد اللعب ، قالت الصغيرة ابق معي يا أبي حتى ينتهي الرمل، سنملأ كل المكان لهوًا وحبًّا، احتضنتها وأمسكت بيدها ونحن نصنع المرح، اشتدَّ قذف السحاب وأنا أحميها بجسدي من الماء وهي تهرب منه لتفرح بالمطر،  كتبتُ لها على الوحل بعد تفرق السحاب : أحبكِ ياصغيرتي، قالت الأم  : اقترب لنحتسي من جديد ودع اللهو للصغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.