– سِحر القوة-

د. نافل بن غازي النفيعي

يولد الناس في هذه الحياة بشخصيات مختلفة، فمن الناس من يولد بشخصية ضعيفة ومنهم من يولد بشخصية قوية وذلك يتفاوت نسبة للبيئة المحيطة بكل فرد، وإنّ الظروف والتجارب التي يمر بها الفرد في الحياة تساهم في بناء الشخصية
فالقوة الحقيقية لا يقصد بها القوة الجسدية فقط بل القوة الحقيقية هي التي تتمثل بالإرادة التي لا يهزها شيء والتي لا تقهر.
فلا تحدثني عن منطق ولا أخلاق ولا مبادئ ولا حقوق ولا عدل بل فقط عن القوة عندما تمتلكها يصبح كل شيء اخر مجرد تفاصيل أو كلام فارغ. وعندما تجتمع  القوة والعزيمه يأتي الفوز. وعندما تعالج ألمك بنفسك تلك هي القوة. الشجاعة لا تعني عدم الخوف بل هي القدرة على مواجهة الخوف عندما تواجه مخاوفك وتتغلب عليها ستشعر بالقوة بداخلك. القوة هي أن تدوس على وجعك وتمشي مبتسما أمام كل من ينتظر سقوطك.
لذا كان للقوة سحرها على مر العصور، سواء على مستوى الدول أو الأفراد. ولذا كانت هناك حروب طاحنة على مر التاريخ؛ الغاية منها هو السيطرة على الآخرين، ونيل القوة والاحترام أمام منافسيهم، وأعدائهم.. ولكن عماد القوة في الدنيا اثنان: السيف والقلم، أما السيف فإلى حين، وأما القلم فإلى كل حين، السيف مع الأيام مكروه ومغلوب ، والقلم مع الأيام غالب ومحبوب..نابليون بونابرت.
ولكن نشير هنا إلى أن القوة وحدها لاتغني، فما من شيء مبني على القوة وحدها. ولعل كتب التاريخ تؤكد لنا ذلك. فماذا تركت القوة وراءها.. فأولئك الذين بدؤوا الحروب على الأغلب أنهم هم الذين خسروها وعانوا الكثير نتيجة لذلك. وحتى المنتصرون لم يفلحوا على المدى الطويل. إن خمسين عامًا من الاحتلال السوفييتي لأروبا الشرقية والوسطى لم تترك وراءها شيئًا يذكر سوى الذكريات السيئة والشك.
كما أن الاحتلال اليابانى لكوريا أو الاحتلال الأندونيسي لتيمور الشرقية. أو الاحتلال الألماني لمقاطعة الألزاس واللورين، أو الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان لم يحقق أي شيء دائم عدا الحقد والبغضاء. ولقد حذر ميكافيلي أميره بإنه من الأفضل”قتل شخص ما على تجريده من ممتلكاته”. ولقد أثبت سقوط الاتحاد السوفييتي إفلاس تصور عسكري محض للقوة.
يقول روبرت كوبر مؤلف كتاب تحطم الامم: لا يشتري المال سوى القليل على المدى الطويل، ولا تترك القوة وراءها سوى القليل إثر رحيل الجنود. ولكن للنفوذ وحب السلطة قوة جاذبية فضلًا عن قوةً قسرية قاهرة تسلب الالباب كما يقول ميكافيلي. لذا لابد ان تقترن القوة بالحكمه والرؤية والنظرة الثاقبة.. بعيدًا عن الرعونة والتهور، حتى لا تنقلب على صاحبها وتكون وبالًا على عليه.
ومفهوم القوة يُمثل حجر أساس في العلاقات الدولية، خاصة مفهوم القوة بشكلها الصلب والعنيف، فالقدرة العسكرية إحدى أبرز مقومات قوة الدولة، سواء كانت هذه القوة تستخدم بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق التهديد أو منع المعونات…الخ، وقد بذل المجتمع الدولي جهودا هائلة من أجل التنظيم والسيطرة على استخدام القوة العسكرية، وخلق مجتمع متحضر ومتطور، وأيضا لمنع جرائم عنيفة ومذابح شديدة العنف خاصة بعد تطور أسلحة الدمار الشامل.. شيماء عويس أبو عيد.
ومع التطور العلمي والاقتصادي لم يعد مقبولا أن تكون القوة العسكرية هي العنصر الحاكم فقط في العلاقات الدولية أو حتى داخل النظم السياسية ذاتها، بل وجب إحداث تغيرات على المفهوم ليتواكب مع متغيرات النظام الحديث، خاصة مع ظهور الانترنت وانتشار المعلومة وتأثيرها الجلي على إحداث تغيرات في القيم السياسية وتوجهات الفاعلين من الدول والفاعلين من غير الدول.
ونتيجة لتغير مفهوم القوة في النظام الدولي الحالي من عسكري إلى اقتصادي ترتب عليها ما يلي:
1. أصبحت هناك دول بالرغم من امتلاكها قدرات عسكرية فائقة إلا أن أمنها مهدد مثل روسيا.
2. دولة لا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة لكن أمنها غير مهدد مثل اليابان.
3. لم تعد التحالفات عسكرية كما كان في السابق، بل أصبحت تحالفات اقتصادية مثل: النافتا، والاتحاد الأوربي…… ألخ، كما سيطرت صناعات الآنفوميديا والاتصالات الالكترونية على الاقتصاد العالمي الجديد، حيث تعد من أكبر الصناعات العالمية ويبلغ رأسمالها أكثر من 3 تريليونات دولار.
4. تزايد الاعتماد المتبادل بين الدول، وتنامى دور الشركات متعددة الجنسيات وتعاظم تأثيرها على الصعيد العالمي.
5. عولمة بعض المشكلات وخروجها من نطاق الدولة الواحدة مثل قضايا: الفقر والبطالة والتخلف والتلوث البيئي.
6. تراجع مكانة الدولة في العلاقات الدولية بسبب بروز فاعلين أقوياء في ساحة العلاقات الدولية مثل: المنظمات الدولية والإقليمية وغير الحكومية…….الخ، بالإضافة إلى التحول في سلوك المنظمات الدولية التي كانت في السابق عبارة عن مؤسسات تابعة ، أما الآن فلها وجود مستقل عن إرادة الدول المنشئة لها، ومثال على ذلك إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991 المؤيد للتدخل الإنساني من دون طلب أو موافقة الدولة المعنية بذلك.. فريد ميلش. وربما كان محقًا الداهية نابليون بونابرت في قوله.. كانت الثروة اول طريق للاحترام، والاحترام يعني مزيدًا من القوة. إن أشكال القوة تغيرت وفقا لتطور التكنولوجيا والمعلومات، فقد أعاد الفضاء الإلكتروني تشكيل مفهوم القوة، ليدشن لنا مفهوم القوة الالكترونية التى ساهمت في إبراز دور الفاعلون الجدد من غير الدول، مما هدد دور الدول وقلل من سيادتها وحفاظها على أنظمتها السياسية وأمنها القومي. ولم يتوقف الامر على هذا بل أدى التطور التكنولوجي لظهور أسلحة جديدة صغيرة الحجم قادرة على هدم أنظمة وبناء غيرها. بالإضافة إلى كم الخسائر الاقتصادية والسياسية الناتجة عنها، كما لم تعد القوة قاصرة على دول أو أنظمة بل تخطت لتصل إلى الافراد، فالقوة الالكترونية لا تعترف بنوع أو عمر أو مكان، فهي تصل للجميع وتزيد من الوعي السياسي وتحفز على المشاركة السياسة. وعلى الرغم من أهميتها في محاربة النظم الديكتاتورية ومواجهة الارهاب الدولي أحياناً، إلا أنها تحتاج إلى قوانين وأطر لتقنينها وحماية الأمن القومي والدولي لمختلف الفواعل الدولية. -خبير استراتيجي ومختص في العلاقات التاريخية بين الدول-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.