قرّاء النص الأدبي(تتمة الحديث) ..

تضاربت الآراء حول تحديد ماهية القارئ، فآيزر يتحدث عن القارئ الضمني، وأمبيرتو إيكو يتحدث عن القارئ النموذجي، وهناك من يتحدث عن القارئ المثالي، وآخر عن القارئ المخبر، إلا أننا سنقف عند أهم القرّاء للنص الأدبي، كالقارئ الضمني (الافتراضي) الذي يرى آيزر في كتابه فعل القراءة أنه النص الذي يتصور أو يرسم قارئًا معينًا تسقط عليه كل تحليلات النص أي قارئ لا يحيا ولا يستخلص إلا من النص، فهو الذي يفترضه المؤلف من خلال مجموعة من العلامات الدالة عليه سواء بشكل صريح ومباشر أو بشكل غير صريح وغير مباشر. 

أما القارئ المثالي فهو شخص متخيل لا أساس له في الواقع، يستطيع سد الثغرات التي تظهر في النص؛ لأن سننه مطابقة لسنن المؤلف، ولقد قيل: بأن المؤلف ذاته قد يكون هو القارئ المثالي لنفسه، لأن أي النص نجده مليئ بالثغرات والغموض، والخيالات والأوهام، وهذه وغيرها تتطلب قارئًا يدرك هذه الأشياء ويظهر في كل مرة قارئ مثالي ثم يحل محله قارئ مثالي آخر، وهكذا فإن هذا القارئ لا وجود له في  الحقيقة إنه يظهر ويختفي ليظهر من جديد.

وقد وقف أمبركتو إيكو عند القارئ الأعلى مطولاً واشترط فيه عددًا من الشروط التي تجعل منه كفوءًا وفاعلاً ومنتجًا. وهو الذي يضعه المؤلف في حسبانه ويحاول أن يجتذبه إلى نصه، وقد أسماه رومان انجاردين بالقارئ (النموذجي)، وأسماه رولان بارت بالقارئ (الاستحواذي)، وهو عند ميشيل ريفاتير” مجموعة من الباحثين” يلتقون دائمًا عند النقط المحورية في النص ويمثلون أداة استطلاع  لاكتشاف كثافة المعنى الكامن المُسنن في النص، فهو عند ريفاتير مصطلح جمعي لقرّاء متباينين لهم كفاءات مختلفة، فإنه يأخذ بعين الاعتبار وصفًا تجريبيًا يمكن التأكد منه من خلال ذلك الكامن الدالي والتداولي الموجود في إرسالية النص، وهكذا فالقارئ عنده أخذ منحى أسلوبيًا يبحث عن السمات الأسلوبية المميزة للنص ليكشفها ويوظفها ويستخرج منها شخصًا خاصًا هو الشخص الذي توجه إليه المؤلف بكتابته.

وهناك القارئ المخبر الذي ليس شيئًا مجردًا ولا قارئًا حقيقيًا حيًّا، ولكنه هجين، أي أنه قارئ حقيقي (أنا) الذي يعمل كل ما في استطاعته ليجعل نفسه مخبرًا. إنه قارئ عالم عارف يكاد يحل محل المؤلف، يعرف لغة النص وما يحيط بها من أسرار، ويعرف الظروف التي يتحدث عنها النص والأحوال، ويعرف التاريخ والثقافة والمجتمع الذي يتحدث عن النص وكذلك خبير بالخبايا والمضمرات.

وتحدث وولف عن القارئ المقصود فعرفه بأنه قارئ يصنعه المؤلف، وقد يأخذ شكل القارئ الأعلى أو المخبر مثلا، وهو غير محدد وتحديده مهمة تقع على عاتق القارئ، فالمؤلف وضع نصه لقارئ رسم ملامحه داخل النص من خلال مجموعة من المؤشرات وتحديدها يحتاج إلى معرفة بها.

والقارئ الواعي وهو المحاور الباحث عن أجوبة فيما يقرأ، الذي لا يترك فرصة إلا استفسر فيها عمّا طالعه في كتاب معين من خلال الاتصال بالكاتب أو عبر الآخرين (النقاد والمتابعين  من أهل الاختصاص) ممن يهتم بما قرأه.

أما القارئ الحقيقي فهو القارئ الذي قرأ النص فعلا فتجاوب معه وسجل حضوره من خلاله، بل وارتبط به على مر العصور، كقراء الشعر: الجاهلي، أو الأموي، أو العباسي، أو الأندلسي، أو الحديث والمعاصر الذين تركوا كتبًا نجد فيها  تعليقات عن مختلف الأشعار ومختلف النصوص.

ومهما تعدد مسميات وتصنيفات القارئ، فإن القارئ موجود في كل نص لذا يتعذر تصنيفه ضمن فئة من الفئات السابقة؛ لأنه شخصية خارج سياق النص الأدبي، يتلقهما في أي زمان أو مكان، ويمتلك ذاتية متشابكة من الذوات: القارئة، والمنضبطة، والسامعة، والمشاهدة، والمبدعة، والمحكومة وجميعها محاورة ومتفاعلة مع النص، ومتى ما افتقدت الحوار والتفاعل افتقدت شخصية القارئ.  

د. مصلح البركات

2 تعليقات على “قرّاء النص الأدبي(تتمة الحديث) ..”

  1. Avatar

    نعم فقدنا القارئ في زماننا لقلة صبر الناس وسرعة الحياة الإلكترونية
    جهد مشكور د مصلح لك نصيب من اسمك نفع الله بك

    رد
  2. Avatar

    استكمالا لمقالك السابق رائع في إضافتك ولكن نريد رأيك في هذا المقال ليس فقط سرد معلومات نريد أن تتميز برأي ثاقب مع او ضد لإثراء المقالوإبراز المميز من القراء انطلاقا من وجهة نظرك وفقك وزادك إبداعا
    .

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.